الدورة 13 لمهرجان فن المديح والسماع بفاس بصمات حضارية وفاءا وتكريما

  • PDF

الفنان التشكيلي سعيد العفاسياختتمت بفاس فعاليات الدورة 13 من المهرجان الوطني  لفن المديح والسماع،المنظمة تحت إشراف ولاية جهة فاس بولمان وبتعاون جهة فاس بولمان ومجلس العمالة، من طرف المجلس البلدي لمدينة فاس،تحت شعار: " بصمات حضارية" ، دورة الوفاء والتكريم، الوفاء لعهد شيخ المادحين وتكريم شيخ المنظمين لمهرجان الوطني لفن المديح والسماع، وهي مناسبة سانحة لإبراز الموروث الفني في مجال السماع والمديح من خلال الجلسات الروحية التي تعيد للنفس بهاءها وتجلو عنها صدأ اليومي والمعيش الضنك، لقد استطاع المهرجان الوطني للمديح والسماع أن يواكب الازدهار الذي عرفه فن المديح والسماع بفاس خاصة وبالمغرب عامة

،وأن يربط من جديد الماضي التليد لفاس بحاضرها الذي لم تزده مغريات الحداثة والعولمة والانفتاح على التكنولوجيا الحديثة ووسائط الاتصال سوى تشبثا بالأصيل والمقنع، بحث أصبح مناسبة سنوية يتنافس فيها المادحون من شيوخ وشباب وأطفال وجمهور، كل حسب قدرته وكفاءاته في إبراز الحب العفيف والعذري لهذا الفن الأصيل الذي ارتبط بخير البرية سيدنا محمد صلوات الله عليه وسلم تسليما، وسعت الدورة التي انمازت ببرنامج غني ينهل من أصالة فن المديح والسماع إلى إعادة الاعتبار لهذا التراث الفني وترسيخه في نفوس الأجيال الصاعدة. وتنشط فعاليات الدورة فرق ذائعة الصيت من مختلف المدن المغربية، عرض مجموعة مؤسسة الذاكرين وعرض مجموعة مادحي فاس، وعرض مجموعة مادحي الدار البيضاء،وعرض مجموعة مادحي العدوتين "الرباط وسلا"، توزعت على مدى ثلاثة ايام بالقاعة الكبرى لفاس المدينة، وهي فرق أصيلة تتوفر على خيرة المادحين من ربوع المملكة، والتي انضمت إلى فرق الحاضرة الادريسية لإحياء أمسيات السماع والمديح عبر عدد من الزوايا المعروفة بدورها في نشر الثقافة الصوفية. وهكذا احتضنت زوايا وأضرحة مولاي إدريس الأزهر ومولاي أحمد الصقلي وسيدي أحمد التيجاني وسيدي علي جمال، على مدى ثلاثة أيام، حفلات دينية بالطريقة التقليدية العتيقة،والتي عرفت استقطابا كبيرا لأفواج العاشقين  والمادحين من جمهور مدينة فاس وضيوفها ومن السياح الأجانب الذين انجذبوا للموسيقى والابتهالات، والذين حجوا إلى هذه البقاع المقدسة من أجل تغذية الروح والتملي بخير الكلام الذي أنشد وقيل في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تسليما. وجاء اختيار هذه الزوايا، حسب المجلس البلدي لمدينة فاس الجهة المشرفة على تنظيم هذه التظاهرة الروحية بامتياز، بدافع إعادة تجديد الصلة وتثمين الدور الروحي والتاريخي لهذه الفضاءات التي يتلى فيها القرآن الكريم والذكر والمديح والسماع، وقد سبق للمجلس البلدي لمدينة فاس أن بادر إلى إحياء هذه الجلسات الدينية في أحضان الزوايا، مما كان قبل سنتين وراء نشر كتاب يستعيد تاريخ أشهر الزوايا والأدوار التي اضطلعت بها، على مدى أكثر من 12 قرنا.

وتمشيا مع تشجيع المواهب والمبدعين احتفل المهرجان بطريقته الخاصة بعرض مصور لانجاز الشاب  نور الدين أمين والذي فاز في مسابقة الشارقة بالأمارات العربية المتحدة بالجائزة الأولى، والتي خلفت ارتياحا عميقا لدى المنشدين والجمهور ومجلس مدينة فاس، لتكد فاس مرة أخرى أنها قادرة على خلق المزيد من المبدعين الشباب في مجالات مختلفة ومتنوعة وعلى رأسها فن المديح والسماع، ومن محاسن هذه الدور أنها احتفت بالمرحوم شيخ المادحين عبد اللطيف بنمنصور قيد حياته، وهو من الأعلام البارزة في مجال التراث الفني المغربي الأصيل حفظا وتدوينا وإنتاجا وإنشادا، من مواليد مدينة الرباط سنة 1926 انتسب إلى الزاوية الحراقية وتأثر بجده الفقيه عبد السلام اكديرة، سجل منذ 1962 للإذاعة الوطنية مع جوق الموسيقى الأندلسية عددا من الأعمال الرائدة والتي ما تزال ليوم هذا مرجعا ودرسا في الإنشاد، اصدر سنة 1977 كتاب: " مجموعة الشعار والبراويل والأزجال المستعملة في الموسيقى الأندلسية" وهوا عادة لترتيب كناش الحائك، مع تطعيمه بذخائر الزاوية شارك ضمن اللجنة المكلفة من قبل وزارة الشؤون الثقافية بالإشراف على تسجيل أنطولوجية الموسيقى الأندلسية، أنجز لوزارة الثقافة تسجيلات لقصائد البردة والفياشية والمنفرجة وغيرها في إطار إعداد أنطولوجية فن المديح والسماع،ساهم في 11 دورة من المهرجان الوطني لفن المديح بفاس بمجموعة من البرامج الفنية في منتهى الدقة والروعة والإتقان صدر له ديوان شعري: " نفحات العرف والدوق في مدح طه سيد الخلق" وافته المنية بالرباط يوم الثلاثاء 6 أبريل 2010،وقد ارتأى معدو برنامج المهرجان تسمية الحصة الثانية ب : "نفحات العرف والذوق في مدح خير الخلق"  تيمنا وتبركا بآخر ديوان شعري اصدره الر احل والذي قدمت منه شذرات مختارة من أشعاره وموشحاته، وقد سبق لمجلس مدينة فاس أن نظما حفلا تأبينيا تكريميا لروحه الطاهرة بفاس، اعترافا وامتنانا لما قدمه الرجل قيد حياته من خدمات جمة.

وبالإضافة إلى الجانب الفني، تضمنت الدورة 13 من المهرجان الوطني لفن المديح والسماع،أنشطة بيداغوجية وحوارات حول فن المديح والسماع بمشاركة نخبة من الخبراء في هذا المجال.بحث عقدت ندوة فكرية وعلمية لهذا الغرض من اجل مناقشة قضايا فن المديح والسماع وقد ضيفت الندوة لهذا الغرض نخبة من الباحثين والغيورين والمجددين في هذا الفن، ويتعلق الأمر بالدكتور الباحث عبد الالاه بن عرفة والدكتور إدريس الفاسي الفهري والأستاذ محمد السوسي والأستاذ محمد الملوكي، نشط الندوة وأدار حوارها الثر الدكتور رشيد بناني، وقد تناول الكلمة الدكتور بنعرفة مبرزا تعلقه بهذا الفن الأصيل والمشرق بفاس، باحثا ومنقبا وجددا من خلال بحثه في أمهات الكتب، حيث خص الحديث عن كتاب العارف بالله والصوفي المتميز وحيد زمانه وعلامة عصره العلامة محيي الدين بن عربي من خلال كتابه:" المعارف الإلهية "أو " اللطائف الربانية" وهو مخطوط يوجد بباريس ويقع في 173 ورقة، لم يتمكن الباحثون من إبراز هذا الموروث الشعري في مجال المديح والسماع، وقد جمع فيه محيي الدين بن عربي ما تفرق في غيره، ويتضمن على مقدمة عجيبة وفريدة في ماهية الشعر والتي لا نظير لها، ينزع فيها نزعة نقدية استشرافية لأفق الشعر،ودرجة استقبال الشعر تذوقه، وأضاف بن عرفة أن قصائد الكتاب تنماز بالجدة و وتملك كل قصيدة روحا وخاطرا وسماعا صوفيا قل في وجودها في غيرها من القصائد، وقد اعتبر بن عربي في كتابه أن الشعر مفتاحا قويا للدخول إلى بحر الحقائق عبر الخيال وترجمان الأشواق. وبدوره تناول الأستاذ محمد السوسي في موضوعه: "قضايا العالم من خلال شعر علال الفاسي" واستحضر قوة وشكيمة الرجل الوطني المخلص الذي جرب السياسة والحزبية والثقافة المنفتحة، واستطاع أن يدون بشعره ما انفلت منه سياسيا، وجاءت أشعاره طافحة فياضة تسفر عن سعة أفق الشاعر الذي عرف كيف يقود قصائده الشعرية نحو امتلاك ناصية الشعر والبحث في ماهيته، وقد ركز المحاضر في كلامه  على شعر علال الفاسي الذي خصه للمديح النبوي وأعطى لذلك أمثلة حية من ديوانه الشعري القيم، والذي ما يزال مرجعا لدوي الاختصاص.الدكتور ادريس الفاسي الفهري تناول بأسلوبه القوي والمرح والعلمي: " الرمز الخمري في الأدب الصوفي" من خلال كتاب قريب اله السماني الطيبي السوداني الأصل: " رشفات المدام" واعتبر أن الخمريات الصوفية من أغنى مباحث الشعر الصوفي، نظرا لوجود الشبه بين الخمريات والروح المستعمل بغرض الإخفاء والتجلي، وقد أبرز المتدخل الرمز عند قريب الله الطيبي، وقسم اللفظة على مجموعات ألفاظ إلى: الخمر المادي / لي سكرتان،/ لي شربتان، كما أضاف أن التحليل المعجمي يبرز السكر ضد الصحو، والسكر هو غليان القلب عند ذكر المحبوب، والسكر هو أن يغيب عن تمييز الأشياء دون أن يغيب عن الأشياء، ثم تناول الرمز الغزلي الذي سبق الرمز الخمري عند الصوفية، سكر بحبي فلا يفيق إلا بلقائي، وسكرت بحبها فلا أفيق حتى أراها . ثم تناول الكلمة الأستاذ محمد الملوكي في موضوع: " محبة الرسول صلى الله عليه وسلم بين المديح والواقع" حيث أعطى نماذج من الواقع المعيش وأبرز فضل محبة الرسول الكريم، وابتعاد ناشئتنا عن المحبة التي تقود على خير لقاء، وانغماسها في ملذات الدنيا الهالكة.      ويعد مهرجان فن المديح والسماع إلى جانب مهرجانات الموسيقى الأندلسية والثقافة الصوفية والملحون والثقافة الأمازيغية أحد أبرز التظاهرات الثقافية المنظمة في المدينة للحفاظ على التراث الثقافي والفني المحلي والوطني.

إذا كان المهرجان الوطني الثالث عشر لفن المديح والسماع قد احتفى بشيخ المادحين عبد اللطيف بنمنصور قيد حياته، اعترافا وامتنان واستحضار لأياديه البيض على المهرجان وعلى التراث المغربي الأصيل، فغنه كرم الأستاذ شيخ منظمي المهرجان الوطني لفن المديح والسماع، الأستاذ عبد المجيد الكوهن، الذي كان له الفضل في انطلاقة هذا المهرجان بالحاضرة العلمية وتأسيس هذه السنة الحميدة بفاس والتي وصلت إلى سنها 13 وأصبح المهرجان يافعا يعرف كيف يسدي الفضل لأهل ويكرم مؤسسه، ويعتبر الأستاذ عبر المجيد من خيرة المناضلين الاستقلاليين الذين تقلدوا مناصب رئاسة المجلس البلدي لفاس المدينة، والذي عرف كيف يسد حاجيات المدينة ثقافيا واجتماعيا وسياسيا بحب واقتداره إدارته وحنكته المعروفة وغيرته على المدينة القديمة،وهو من مواليد حومة العيون بفاس سنة 1949 ، قائد كشفي وتربوي ومعلم محنك، تدرج في العمل السياسي من منخرط عبر معظم تنظيماته وهيئاته وتقلد شرفيا دائرة الحزب بحومة الكزيرة والقطانين، ثم مكتب فرع الحزب، ثم كاتبا عاما للشبيبة الاستقلالية ، فعضوا الإتحاد العام لطلبة المغرب،ثم مفتشا لحز الاستقلال بفاس المدينة، شارك في العديد من الوقائع والأحداث النضالية وتعرض بسببها إلى مضايقات أدت به إلى الاعتقال العديد  من المرات، اهتم بالإعلام الحزبي على مستوى مدينة فاس، كان مراسلا صحفيا لجديرة العلم لأزيد من 20 سنة ، ساهم في تأسيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، وثم انتخابه أول كاتب عام لها في أول مؤتمرها بفاس،عبد المجيد الكوهن لم يكن رئيسا للجماعة الحضرية لفاس المدينة فقط، بل كان مثقفا فاعلا وحاضرا في جل الأنشطة التي كانت تقام بتراب الدائرة موجها ومنتقدا ومصححا،ولا زالت الذاكرة الفاسية تحتفظ بالأيام الجميلة التي احتضنها درب الكباص من خلال الأنشطة الفنية والثقافية والاجتماعية التي كانت تقام بهذه الدار، والذي بادر الأستاذ عبد المجيد الكوهن أيام كان رئيسا للجماعة الحضرية لفاس المدينة،إلى اعلانها دار فكر وإبداع وابتكار، جمعت من كل فن طرف، فما أحوجنا إلى تلك الأيام التي كانت في فاس المدينة قبلة للثقافة والفن والفكر والتراث والسياحة،وخلال حفل التكريم الذي حضره العديد من الوجوه السياسية والفنية والثقافية والاجتماعية أشاد المتدخلون وعلى رأسهم عبد الحميد شباط رئيس المجلس البلدي لفاس ومفتش حزب الاستقلال محمد السوسي والمستشارة الجماعية فاطمة طارق، بأخلاق الرجل وتواضعه وتفانيه في خدمة الحزب وفاس والمغرب وتعلقه بالتسامح والنضال المستمر في سبيل غد يكون أفضل، وباسم مجلس مدينة فاس قدم السيد عبد الحميد شباط هدية رمزية للمحتفى به، كما قدم السيد محمد السوسي شعار الحزب من الذهب الخالصة هدية وفاء لرئيس الجماعة الحضرية لفاس المدينة سابقا، وقدمة السيدة فاطمة طارق تذكرة العمرة للسيد المحتفى به، وقدم السيد محمد الملوكي لوحة تخلد لمناسبة التكريم من انجاز الفنان التشكيلي فؤاد الفيلالي.

بدايات المديح والسماع الامتداد بفاس:

بدخول الإسلام إلى المغرب كان الدين لدى المغاربة عقيدة وشريعة. وقد لعب المسجد (دار الثقافة والعبادة ) دورا هاما في تداخل الثقافة بالدين، ففيه تكتسب المعرفة الأدبية والفنية والسياسية والاجتماعية وفيه أيضا تقوم السلوكيات والأخلاقيات والروحانيات، فكان الطابع الغالب على ثقافة علمائنا هو روح الزهد في الدنيا والتجرد من مطامعها والاستمساك بالكتاب والسنة. حيث اتسم شعر المغرب آنذاك بكونه شعر فقه ودين وشعر الرجل المتدين المتحفظ، المتميز بالبساطة والرزانة الأخلاقية والأداء المحتشم. وإذا كان الشعر في القرون الخمسة الأولى بعد الفتح الإسلامي قليلا، فقد قفز بسرعة في القرن السادس الهجري على عهد الموحدين التي ازدهرت فيها السياسة وتعاظمت الدولة، فانعكس ذلك إيجابا على الثقافة والأدب والفلسفة؛ تطور الشعر والموسيقى والأمداح النبوية وازدهرت باتخاذ عيد المولد النبوي عيدا دينيا ثالثا في أواخر القرن السابع الهجري على عهد بني مرين وتبنتها الدولة بكثير من الفخم على عهد أحمد المنصور الذهبي السعدي فكان يقيم سنويا في قصر البديع بمراكش موسما أدبيا كبيرا، ومهرجانا شعريا ازدهر فيه شعر والأمداح. ومن بين الموضوعات التي اتسم بها الشعر آنذاك الدعوات والتوسلات والابتهالات والتضرع إلى الله كي يفرج مضايق المسلمين ويصلح أحوالهم، من بين ذلك قصيدة التضرع للإمام السهيلي :  

 

" يا من يرى ما في الضمير ويسمع أنت المعد لكل ما يتوقع "
وقصيدة : التوسل للشيخ أحمد بن ناصر الدرعي  

" يا من إلى رحمته المفر ومن إليه يلجأ المضطر"

لكن في القرن التاسع والعاشر الهجري تأجج وجدان المغاربة وحثوا على الجهاد وأقبلوا على الزوايا التي اتسع نشاطها ونفوذها وعلى حلقات الذكر والأضرحة والمواسم .وبنزوح المهاجرين من الأندلس إلى المغرب استفاد المغاربة من شعرهم وفنونهم وثقافتهم وموسيقاهم ومن شتى نماذج الحياة المختلفة فتعلموا منهم المواويل والموشحات والملحون وتطورت الموسيقى فظهرت الآلة الأندلسية. ومن تم أصبحت حفلات المولد النبوي التي ترسمت في المغرب لا تقتصر على الاحتفالات الرسمية للدولة، وإنما أخذت طابعا شعبيا واسعا تقام على شكل قصائد وتراتيل وقراءات شعرية، في أغلب المساجد بالمدن القديمة، في مدح الرسول عليه السلام وذكر عظمة رسالته بصوت منغم وتارة بالآلة،واهتم الناس في هذا المناخ بشعر المديح مشوبا بالغزل الرقيق وبالحكم والتصوف والحكايات الواقعية والخيالية للأنبياء والأولياء والصالحين، وترددت بين الناس قصائد وحفظها الكثيرون من بينها البردة والهمزية ( للشيخ الإمام البوصيري  والمنفرجة لابن النحوي

 

اشتدي أزمة تنفرجي قد آذن ليلك بالبلـج
وبعدها منفرجة أخرى للمتصوف محمد بن محمد بن عبد الرحيم التازي المشهور بابن يجبش 

اشتدي أزمة تنفرجي قد أبدل ضيقك بالفرج .

ظهر فن المديح و السماع في عهد رسول الله صلى الله وعليه و سلم  خلال الهجر ة النبوية من مكة إلى المدينة، لما استقبلنه بنات صغيرات السن من بني النجار خرجن فرحات بمقدمه صلى الله عليه وسلم حين وصل المدينة المنورة و هن  ينشدن: 
نحن جوار من بنى النجار           يا حبذا محمد من جار    
فقال عليه الصلاة والسلام لهن  "أتحببنني"  فقلن  "نعم"  فقال "الله يعلم أن قلبي يحبكن"
كما  أنشد أيضا في هذه المناسبة فتيات صغيرات أمام النبي صلى الله عليه و سلم:
طلع البد ر علينا       من ثنيا ت الوداع
وجب الشكر علينا       ما دعا لله داع

والرسول صلى الله عليه وسلم أعطى لهذا البعد الروحي الوجداني حقه من الاهتمام، فقد أوكل أداء الآذان للصحابي الجليل بلال بن رباح، لما كان يتميز به من صوت جميل وحلاوة في الأداء، وكان يقول صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود : "اقرأ القرآن فإني أحب أن أسمعه منك فقد أتاك الله مزمارا من مزامير داوود". و بعد وفاة النبي استمر هذا الفن في الترعرع في عهد الخلفاء الراشدين، ثم بدﺃ يعرف توسعا في عهد الإمارات المتوالية من بعد الخلافة الراشدة، كالإمارة الأموية و العباسية... بعدها بدأ يعرف اهتماما خاصا لدى الصوفية، الذين انفردوا به وطوروه وكانوا دائما يعتنون به ويحملونه من جيل إلى آخر، والسماع أو " الذكر" أحد الوسائل التهذيبية لدى المتصوفة لما له من تأثير فني و وجداني على المريد السالك،  ويؤدى السماع في مجالسهم بأن ينشد فرد أو أكثر قصيدة لشيخ من مشايخ التصوف بأصوات تتمايس لها الأسماع وتتمايل لها الأجساد، ينتهي كل مقطع برد جماعي من المريدين سواء بالهيللة" لا إلاه إلا الله" أو بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، بينما يستمر المنشد في تغيير الألحان-الصيغة-  من وقت لآخر.

 

 

والأصل في السماع ما يدل على عموم الغناء والموسيقى، وقد استقر مفهومه بالمغرب في العصور المتأخرة على ما يعني القصائد والمولديات والمقطوعات الشعرية المديحية التي يتناشدها المسمِّعون بأصواتهم على أساس الأنغام و"الطبوع" المتداولة في الموسيقى الأندلسية وذلك دون مصاحبة آلية.
وترجع بدايات ظهور السماع بالمغرب إلى منتصف القرن السابع للهجرة عندما استحدثت أسرة العازفيين التي كان رجالها من أعلام مدينة فاس ورؤسائها، عادة الاحتفال بالمولد النبوي، وألف كبيرهم يومئذ أبو العباس أحمد بن محمد المتوفى عام 639 هـ على عهد الخليفة الموحدي المرتضى كتاب "الدر المنظم في مولد النبي المعظم" الذي أكمله ابنه الرئيس أبو القاسم المتوفى عام 677 هـ. ويشير أبو العباس في مقدمة الكتاب إلى الأسباب التي حفزته على الدعوة إلى استحداث الاحتفال بالمولد النبوي، فيصف في حسرة وأسى مشاركة مسلمي سبتة والأندلس للمسحيين في احتفالاتهم بعيد النيروز يوم فاتح يناير، والمهرجان أو العنصرة يوم 24 يونيو، وميلاد المسيح عليه السلام يوم 25 دجنبر. ومع إقرار المؤلف بأن الاحتفال بمولد رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم سيشكل بدعة لم تكن في عهد السلف الصالح رضوان الله عليهم، فإنه يجعله من البدع المستحسنة، أجرها خير من عدمه، ولقد كان تبني أعلام سبتة للاحتفال بالمولد النبوي نابعا من طبيعة المغاربة الذين شبّوا على اعتناق المالكية والتعلق بالحضرة النبوية، وكذا رفضهم للآراء المذهبية التي ابتدعها ملوك الموحدين الأوائل، وفي ذلك ما ينسجم مع صنيع القاضي عياض في العهد المرابطي الذي ألف كتابه "الشفا بتعريف حقوق المصطفى". وقد تولع المرتضى بهذا الإحتفال، وأصبح يقوم بليلة المولد خير قيام، ويفيض فيها الخير والإنعام، حتى وقف في حضرته ذات يوم الأديب الأندلسي أحمد بن الصباغ الجذامي منشدا إحدى روائعه بمناسبة المولد النبوي فقال في مطلعها
تنعم بذكر الهاشمي محمد *** ففي ذكره العيش المهنأ والأنسُ
أيا شاديا يشدو بأمداح أحمد *** سماعك طيب ليس يعقبُه نكس
فكررْ رعاك الله ذكرَ محمد *** فقد لذت الأرواح وارتاحت النفس
وطاب نعيم العيش واتصل المنى *** وأقبلت الأفراح وارتفع اللبس
له جمع الله المعاني بأسرها *** فظاهره نور وباطنه قدس
فكل له عرس بذكر حبيبه *** ونحن بذكر الهاشميِّ لنا عرس
وما يزال أحد أبيات هذه القصيدة حتى يومنا بمثابة لازمة يتملى بترجيعها المسمعون في حلقاتهم، وهو قوله:*2
وقوفا على الأقدام في حق سيد *** تعظمه الأملاك والجن والإنس
وقد عرف السماع والمديح ازدهارا كبيرا على العهد المريني ثم الوطاسي من بعده، فكان الملوك أنفسهم يرأسون مهرجانات المولد ليلة الثاني عشر من ربيع الأول، كما أصدر السلطان أبو يعقوب يوسف المريني المتوفى سنة 691 هـ أمرا بوجوب إحياء ليلة المولد النبوي واعتبارها عيدا رسميا كعيدي الفطر والأضحى، "وأصبح ملوك الأندلس يحتفلون في الصنيع والدعوة وإنشاد الشعر اقتداء بملوك المغرب" على حد ما قاله ابن خلدون*3. وقد أضاف أبو سعيد المريني الاحتفال باليوم السابع من العيد، وإلى ذلك يشير أبو العباس أحمد بن عبد المنان المتوفى عام 792 هـ في قصيدة يخاطب بها أبا عنان فيقول:*4
وموسم جل قدرا باعتناك به *** راقت لياليه وازدانت سوابعه
كما أصبح توقيف العمل يوم المولد النبوي تقليدا متبعا في العهد المريني، واستمر يوم عطلة على يومنا هذا، وإلى ذلك يشير ملك بن المرحل إذ يقول مستعرضا بعض مراسيم الاحتفال بهذه المناسبة: *5
فحق لنا أن نعتني بولاده *** ونجعل ذلك اليوم خير المواسم
وأن نصل الأرحام فيه تقربا *** ونغدو له من مفطرين وصائم
ونترك فيه الشغل إلا بطاعة *** وما ليس فيه من ملام ولائم
وسرعان ما انتقل الاحتفال بالمولد النبوي إلى الأوساط الشعبية فكانت الحفلات تقام في الزوايا والمنازل الكبيرة وحتى في المنازل، وبعض الساحات مثل ساحة المارستان المريني بسوق الحنة حاليا، حيث وجد هذا المستشفى لمعالجة المرضى نفسيا بالأمداح النبوية الشريفة والسماع الصوفي  والموسيقى، وإلى ذلك يشير ابن الدراج في كتابه الجليل "الإمتاع والانتفاع بمسألة سماع السماع" فيذكر أن أكثر ما يتغنى به أهل فاس بهذه المناسبة تتصل موضوعاته بمدح الرسول وتشويق النفوس إلى زيارة البيت الحرام ومواقعه، وإلى المدينة المنورة ومعالمها*6، كما يشير إلى ذلك الرحالة أبو علي الحسن الوزان الفاسي في كتابه "وصف إفريقيا" فيذكر أن التلاميذ يقيمون احتفالا بالمولد النبوي، ويأتي المعلم بمنشدين يتغنون بالأمداح النبوية طول الليل، وهكذا تتجلى الطبيعة الشعبية للاحتفال بالمولد النبوي، ويكتشف معها أنه "جاء متجاوبا مع إرادة مغربية" تعكس حب المغاربة للمقام النبوي العظيم. وليس أدل على ذلك مما ورد في بعض مخطوطات روض القرطاس في أخبار وتاريخ مدينة فاس لعلي بن أبي زرع الفاسي من "أن العزفيين هم الذين ندبوا يوسف المريني إلى تعميم الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذ يوم الثاني عشر ربيع الأول عيدا مغربيا*7 . وسوف يبلغ فن المديح والسماع قمة اكتماله في عهد الشرفاء السعديين، وذلك عندما اتخذ المنصور السعدي من عيد المولد النبوي أكبر احتفال رسمي للدولة والأمة، فكان يقيم في قصره بمراكش الحفلات الفخيمة والباذخة، يزينها بالشموع الموقدة، وما يلق بالمناسبة الجليلة،وإنشاد القصائد والمولديات، وإجراء العطايا على المتميزين من الشعراء، الذين يتنافسون في مدح خير البرية سيندا محمد صلى الله عليه وسله تسليا،وقد أفاض في هذا الموضوع أكثر من مؤرخ. من هؤلاء أبو الحسن التمجرُوتي المتوفى عام 1003 هـ الذي يقول في رحلته المسماة "النفحة المسكية في السفارة التركية" واصفا احتفال المنصور في مراكش عام 998 هـ : "وأنشدوا القصائد ومقطعات في مدح النبي المكرم وفضل مولده العظيم، ونظموا في ذلك الدر المنظوم، وبالغوا في ذلك وأطنبوا... وانبسطوا بألسنة فصاح ونغمات ملاح وطرائق حسنة، وفنون من الأوزان المستحسنة، فأصغت الآذان عند ذلك بحسن الاستماع إلى محاسن السماع، ومن هؤلاء أيضا أحمد بن القاضي المكناسي الذي ينوه في كتابه "المنتقى المقصور على محاسن الخليفة المنصور" بما كان يصنعه بهذه المناسبة، أما عبد العزيز الفشتالي مؤرخ الدولة السعدية وشاعر بلاط المنصور فقد أتى بما يذهل الألباب في كتابه "مناهل الصفا في أخبار الملوك الشرفا" إذ يقول: "والرسم الذي جرى به العمل... أنه إذا طلعت طلائع ربيع الأول... توجهت العناية الشريفة إلى الاحتفال له بما يربي على الوصف... فيصيّر الرقاع إلى الفقراء أرباب الذكر على رسم الصوفية من المؤذنين النعارين في السحر بالأذان.. حتى إذا كانت ليلة الميلاد الكريم.. تلاحقت الوفود من مشايخ الذكر والإنشاد... وحضرت الآلة الملوكية... فارتفعت أصوات الآلة وقرعت الطبول، وضج الناس بالتهليل والتكبير والصلاة على النبي الكريم... وتقدم أهل الذكر والإنشاد يقدمهم مشايخهم... واندفع القوم لترجيع الأصوات بمنظومات على أساليب مخصوصة في مدائح النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، يخصها اصطلاح العزف بالمولديات نسبة إلى المولد النبوي الكريم، قد لحنوها بألحان تخلب النفوس والأرواح، وترق لها الإطلاع، وتبعث في الصدور الخشوع، وتقشعر لها جلود الذين يخشون ربهم، ويتفننون في ألحانها على حسب تفننها في النظم. فإذا أخذت النفوس حظها من الاستمتاع بالألحان "المولديات" الكريمات تقدمت أهل الذكر المزمزمون بالرقيق من كلام الشيخ أبي الحسن الششتُري رضي الله عنه وكلام القوم من المتصوفة أهل الرقائق. كل ذلك تتخلله نوبات المنشدين للبيت من نفيس الشعر"*8. ومع حلول العهد العلوي تهيأ لهذا الفن أن يستكمل خصائصه الأدبية والفنية، وأصبح مما تعنى به ملوك الدولة، وعلية القوم وعامتهم على السواء. ولعل مما يدل على شديد ولع الناس بهذا الفن وعظيم وقعه في نفوسهم ما أورده محمد بن العربي الدلائي في مجموع له إذ يقول: "ولما كانت صحبة النبي الكريم فرضا على الإنسان، والصلاة والسلام عليه من أجل ما تلفظ به اللسان، وأمداحه وذكر أوصافه الجميلة وشمائله الشريفة الجليلة من أفضل ما اعتنى به الإنسان، لأن ذلك ذريعة ووسيلة إلى صحبة الرحيم الرحمن، هاجت أفئدة أقوام جذبتهم أيدي السعادة، وأكرمهم الكريم بالحسنى وزيادة، فاقتطفوا من رياض محاسنه بديع الأزهار، وقلدوا بها أجود الموشحات والأشعار، وحلوها بحلل الألحان والنغمات التي تهيج الأفكار،ولقد أصبح من مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي في العهد العلوي أن يقام على المستوى الرسمي احتفال يرأسه ملك البلاد ويرعاه بنفسه، وتلتئم حول حضرته جموع من خيرة المسمعين الوافدين من مختلف حواضر المملكة. وما زالت هذه السنة دَيْدَنَ ملوك الدولة، دأبوا على إحيائها وتوارثوها خلفا عن سلف تأكيدا لحب المغاربة قاطبة لجدهم صلى الله عليه وسلم وتشبثهم بآل بيتهم الطاهرين، ولاغرو، فإن أيادي ملوك البلاد البيضاء على فن المديح والسماع والعناية برجاله من المسمعين والمنشدين، ونشر مستعملاته من قصائد مولدية ومدائح نبوية، والتغني بألحانها إشادة بالمصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم وبآل بيته الطيبين الطاهرين، لهي من السنن الحميدة التي يضرب بها المثل في العالم الإسلامي ويقصر عن وصفها الواصفون
أما على المستوى الشعبي فلعل خير ما يمثل به هاهنا احتفال الشرفاء الأدارسة والقصليين وغيرخك كثير في مختلف الزوايا الصوفي بفاس العالمة في أكثر من حي وموضع، نذكر منها ضريح المولى إدريس الأزهر، سيدي قاسم بن رحمون، سيدي علي الحمل، احمد الصقلي، أحمد التيجاني.... والحسونيين في سلا حيث يستغرق الحفل أسبوعا كاملا تحتل منه الأنشطة والتظاهرات الموسيقية حيزا كبيرا تتجلى في وفرة طوائف المنشدين الذين يسيرون في ركاب موكب الشموع، وما يحتضنه ضريح سيدي عبد الله بن حسون من مشاهد فنية متنوعة يكللها احتفال اليوم السابع حيث تجتمع فرق المسمعين وتصدح أصواتهم بإنشاد بردة وهمزية البوصيري وغيرهما من القصائد والمقاطع شعري في مدح سيد البرية، ولقد واكب مسيرة التطور الذي عرفه فن السماع منذ ظهوره على يد العزفيين في القرن السادس للهجرة تطور شعر المديح النبوي بدوره، وما فتئ أن بلغ درجة تألقه واكتماله، ولا سيما في مصر على يد أعلام أسسوا لمدرسة جديدة في المديح يحق وصفها بالمغربية، وكان من ألمع هؤلاء أحمد بن عمر المرسي تلميذ علي بن عبد الله الشاذلي الذي تتلمذ على المتصوف المغربي الكبير أبي محمد عبد السلام بن مشيش العلمي دفين جبل العلم، ثم كان من أكثرهم شهرة أحد تلاميذ أبي العباس المرسي المذكور، هو أبو عبد الله شرف الدين محمد بن سعيد البوصيري المتوفى سنة 696 هـ، صاحب قصيدتي "البردة والهمزية" اللتين طبقت شهرتهما الآفاق. وقد لقيت هاتان القصيدتان عناية فائقة من المغاربة، تجلت من الوجهة الأدبية في الإقدام على شرحها ومعارضتها وتخميسها، مثلما تجلت من الناحية الفنية الموسيقية في اهتمام أرباب السماع بها واتخاذها ركيزة أساسية في إنشاد مستعملاتهم.

 

 

تحتل الموسيقى الروحية من التراث الموسيقي المغربي موقعا عظيما بسبب ما تحمله من سمات وخصوصيات تتميز بها من بين سائر أنماط المستعملات الموسيقية والغنائية السائدة بين الناس، مما نطلق عليه الموسيقى التقليدية وفنون الموسيقى الشعبية. ويأتي في مقدمة هذه السمات أن ممارستها تتم في أجواء دينية تسودها الروحانية وتجللها مشاعر القداسة، وتسمو بالوجدان إلى أعلى المقامات والمراتب.ومما يميز الموسيقى الروحية أنها لا تقتصر على المراسيم الدينية أو الحفلات والمناسبات التي تقام أصلا من أجل تلك المراسيم، بل هي تتجاوز نطاقها الزماني، وفضاءها المكاني لترتاد أجواء أرحب وأوسع. وليس أدل على ذلك من الدعوة إلى الصلاة بالأذان الذي ينطلق من أعلى صوامع المساجد خمس مرات في اليوم، فيملأ أرجاء المدن والقرى. وحتى تلاوة القرآن الكريم، فإنها ليست حكرا على المصلين في المساجد، ولكنها مما يستمع إليه عامة الناس صباح مساء عبر أمواج الإذاعة والتلفزة، وهي أيضا مما تتصدر به الحفلات العامة والأسروية. وهكذا يبدو جمهور الموسيقى الروحية عريضا إلى حد كبير، وذلك وجه من وجوه تميزها عن قداسات الكنائس والبيع.ومن مميزات الموسيقى الروحية بالمغرب أيضا قيامها على الأداء الفردي وخلوها من العزف على الآلات الموسيقية، ولاسيما بالنسبة للأذان وترتيل القرآن. أما فيما عداهما فإن الغالب أن يكون الأداء الصوتي جماعيا يتخلله الإنشاد الفردي بين الفينة والأخرى، كما يتخلله العزف على الآلات في حالات نادرة.وبالرغم من تداخل فنون الموسيقى عامة وانسجامها بشكل شامل في وحدة العناصر الفنية المكونة لها، فإن "الموسيقى الروحية" تبقى محملة باختلافات واضحة وجوهرية تتبلور من خلال الأجواء التي تمارس فيها ومن خلال أساليب أدائها وما يلف كل ذلك من ملابسات. وسيكون في الإمكان ـ مع شيء من التساهل والتجاوز ـ تعريف الموسيقى الروحية بالقول: إنها جماع الأساليب والتقاليد الغنائية التي ترتبط بالمراسيم الدينية كالصلاة، والإعلان عنها بالأذان، وإقامتها، والتي ترتبط أيضا ـ بالمناسبات الدينية كعيدي الفطر والأضحى، والتي تقام إحياء لذكرى حدث كان له وقع عظيم في حياة الأمة الإسلامية، من قبيل الاحتفال باليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول الذي يخلد ذكرى مولد الرسول العربي صلى الله عليه وسلم، واليوم الأول من شهر محرم ذكرى هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة، وما ماثل ذلك من المستعملات التي ينطوي أداؤها على خلفية دينية باعتبارها السمة الثابتة للإنشادات الدينية. ومن هنا تتحكم في ممارسة مستعملات الموسيقى الروحية جملة من المواصفات تشكل الإطار الملائم لها، وتتحدد بمقتضاها الشروط النفسية والفنية الكفيلة بخلق المناخ السليم لأداتها.

النوبات والموازين الموسيقية:

قديما كانت أشعار المدح في الموسيقى الأندلسية تختلط بأشعار الغزل، بحيث كان الاهتمام ينصب على الوزن دون غرض الشعر المستعمل فيه، فكان يستبدل شعر الغزل والوصف بشعر المدح الشيء الذي يخل بوحدة الموضوع. مما دفع ببعض الباحثين والمهتمين بهذا الفن إلى تصنيف الموازين والأشعار والأزجال كل في موضعه. من ثم تتضح لنا العلاقة الوطيدة بين الموسيقى الأندلسية وفن المديح والسماع الذي أصبح يعتمد بدوره على نفس النوبات والطبوع الأندلسية مع امتياز هذا الأخير بغزارة أشعاره وأنغامه في حين تقتصر الموسيقى الأندلسية على نوبات معينة تحدد في إحدى عشرة نوبة، كل واحدة منها تشتمل على خمسة موازين ( البسيط – قائم ونصفابطايحي – الدرج – القدام ) ويكون الميزان موسع وقنطرة وانصراف إلا ميزان الدرج مثله خفيف

النوبة الأولى رمل الماية:
تشتمل على اربع طبوع : ( طبع رمل الماية – انقلاب الرمل – طبع حمدان – طبع الحسين
1 طبع رمل الماية :

المستخرج لهذا الاسم هو صابر الفارسي، وقد زعم أهل الغناء أن واضعه هو رجل يدعى ربيب الماية. ورمل الماية هو فرع من الماية التي هي أصل ومقام هذا الطبع هو صوت "ري" ويستعمل فيه إنشادا / بحر الطويل .

2 انقلاب الرمل ، أو رمل الذيل :
استخرجه عبد الرزاق الفيلسوف من أهل قرطبة بالاندلس ومقامه صوت "دو" ويستعمل فيه إنشادا /بحر الرمل
3 طبع حمدان :
استخرجه سنان بن عتاد رجل من العرب بأقصى السوس، وقيل استخرجه حمدان الضرير الاندلسي، ومقامه صوت " فا" ويستعمل فيه إنشادا / البحر الطويل
4طبع الحسين :
المستخرج له الحسين بن أمية وكان سلطانا أعجميا وسمي باسمه ومقامه صوت "لا " ومما يستعمل فيه إنشادا / البحر الطويل.

وكانت أشعار هذه النوبة وأزجالها تدور حول الغزل والخمريات ووصف غروب الشمس إلى حدود القرن الثاني عشر الهجري حيث قام الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي بتحويل أشعار هذه النوبة إلى أشعار في مدح النبي عليه السلام والشوق إليه نظرا لما تحمله ألحان النوبة من معاني السمو والجلال والعظمة .

النوبة الثانية: الاصبهان
تشتمل على طبعين  طبع الاصبهانطبع الزوركند
1 طبع الأصبهان :
وهو فرع من الزيدان والمستخرج لـه هو جابر بن الأصعد الأصبهاني وقيل إن ملائكة الرحمان وحور الجنان يسبحون الله بهذه النغمة ومقامه هو صوت "ري" ومما يستعمل في إشاده / بحر الطويل .
2
طبع الزوركند :

والمستخرج لـه هو عبد الرزاق الفيلسوف من قرطبة بالأندلس، وهو مركب من الحجاز الكبير وطبع الاصبهان، ولحن هذا الاخير هو الغالب على طبع الزوركند. ومقامه هو صوت " ري" ويستعمل في إنشاده / بحر الرمل

النوبة الثالثة : الماية

المستخرج لهذا الطبع هو رجل يدعى أمية بن المنتقد من بني مالك حيث سمي باسمه وقيل امرأة تدعى "ماية " حيث سمي باسمها . ولطبع الماية من الازمنة، العشية عند الغروب لذلك تدور اشعرها حول هذا المعنى . ومقامها صوت "ري" ويستعمل اليوم قي صوت "دو" ومما يستعمل في إنشاده /بحر الطويل

النوبة الرابعة : رصد الذيل
يقول الفقيه الحايك: هو فرع من الذيل وقد استنبطه ابن الحارث الذي استنبط نغمة الرصد . وتوجد بنوبة رصد الذيل بعض الصنائع مركبة من سيكة ورصد الذيل ومقامه صوت "دو" ومما يستعمل فيه إنشادا / بحر الطويل .
النوبة الخامسة : الاستهلال
تشتمل هذه النوبة على طبعين : الاستهلال – عراق العرب
1 الاستهلال :
خارج عن الشجرة والغالب عليه أن يكون فرعا من الذيل وهو من الطبوع المجهولة والستخرج له هو الحاج علال البطلة وذلك في أيام السلطان السعدي أبي محمد عبد الله الغالب ومقامه صوت " دو " ومما يستعمل فيه إنشادا/ بحر الطويل
2عراق العرب :
وهو فرع من الذيل وقد استخرجه صيكة بن تميم العراقي وهو المستخرج لطبع صيكة وسميت باسمه ومقامه صوت "مي " ومما يستعمل فيه إنشادا :

 

ألا بعراق العرب يا خيـر منشـد بحق الهوى كن لي مجيبا ومنشدا
فديتك عللني اريح من الهـوى وأنــــــس غريبا لا زلت لنا مرشدا
النوبة السادسة : الرصد
تشتمل هذه النوبة على أربع طبوع : - الرصد – الحصار – المزموم – الزيدان
1 طبع الرصد :
وهو فرع من الماية واسمه في الحقيقة رأس الماية والمستخرج له محمد بن الحارث – الخزاعي – نديم هارون الرشيد وكان هذا الاخير يقول : نسبة هذا الفرع من اصله كنسبة السكر من قصبه ومقامه صوت " ري " ومما يستعمل فيه إنشادا /بحر الطويل
2 طبع الحصار:
هو فرع من الزيدان ويسمى بالحصار لانحصار نغمته في صوت منشده. استخرجه عنان بن مدرك اليمنى ومقامه هو صوت "ري" ويستعمل فيه إنشادا  /بحر الطويل
3 طبع المزموم :
قيل استخرجه رجل يسمى بشير بن عتاد من بلاد سوس والمعروف أن الذي أطلق عليه هذا الاسم الجواد بن حاتم ومقامه هو صوت "صول" ويحتوي على صوت "فا" ملونة ومما يستعمل فيه إنشادا / البحر الطويل
4 طبع الزيدان :
استخرجه رجل يدعى هبة الله بن معاذ الحبشي، وبه يمكننا أن نفرق بين طبع الزيدان وطبع الرصد ذلك أن بالزيدان أصوات ملونة وليست بالرصد أصوات ملونة ( كأصله الماية ) ومقام الزيدان هو صوت "ري" ويحتوي على أصوات ملونة "مي" "فا" ومما يستعمل فيه إنشادا ( بحر الطويل .
النوبة السابعة : غريبة الحسين
تشتمل هذه النوبة على ثلاثة طبوع - غريبة الحسين – المحررة – الصيكة
1 طبع غريبة الحسين :
هو فرع من المزموم ، استخرجه غريب الحسين ، وقيل استخرجته جارية تسمى الغريبة لانفرادها عن أهلها وذويها . ومقامه صوت "دو" . ومما يستعمل فيها إنشادا ( بحر الطويل .
2
طبع المحررة :
هو أصل ليس لـه فرع ، استخرجته جارية تسمى بالغريبة المحررة ، ومقامه صوت "ري" ويستعمل فيه إنشادا :

بالمحــــررة الغريبة فانشدوا وانشدن غريبة الحسين
واسقنــــي خمرة معتقة اللون فــذاك فيه قـــرة عينــي
3 طبع الصيكة :
استخرجه صيكة بن تميم العراقي الذي ابتكر طبع عراق العجم ، ومقامه صوت "مي" ويستعمل فيه إنشادا /بحر الطويل
النوبة الثامنة : الحجاز الكبير
تشتمل هذه النوبة على ثلاث طبوع : - الحجاز الكبير – المشرقي الصغير – مجنب الذيل
1 طبع الحجاز الكبير :
هو فرع من الزيدان ، استخرجه حجاز بن طارق من بلاد اليمن ، ومقامه هو صوت "ري" ويستعمل فيه إنشادا ( الخفيف
2 طبع المشرقي الصغير :
هو فرع من الذيل ، مقامه صوت "ري" ويستعمل فيه إنشادا ( بحر الطويل )
3
طبع مجنب الذيل :
استخرجه رجل من الأندلس يدعى "هديل" ، مقامه هو صوت "ري" ومما يستعمل فيه إنشادا/ بحر الطويل
النوبة التاسعة : الحجاز المشرقي
هو فرع من المزموم ، وهو مركب من الحمدان والحسين وبينه وبين نوبة المحررة جامع كا نقلاب الرمل . قيل استخرجه عبد القادر القرطبي وسماه بالجركة وسمي فيما بعد بالمشرقي لجريانه على ألسنة أهل الشرق . مقامه هو صوت "ري" . ومقام الحجاز المشرقي أيضا صوت "ري" غير أن به أصوات ملونة .
النوبة العاشرة : عراق العجم
إن عراق العجم خارج من شجرة الطبوع وقد اختلفوا فيه فقيل هو من الأصول الأربعة الأمهات وقيل هو من الفروع والمستخرج لـه هو صيكة بن تميم العراقي المستخرج لنغمة الصيكة وعراق العرب ومقامه هو صوت "صول" ويستعمل فيه إنشادا (الطويل
النوبة الحادية عشر : العشاق
تشتمل على ثلاثة طبوع : طبع العشاقطبع الذيل – طبع رمل الذيل
1 طبع العشاق :
هو فرع من الزيدان استنبطه رجل من الإفرنج يقال له فرنجر بن ديجر وقيل أنه كان( طبع شاق) فتداولته الألسنة فسمي بالعشاق ومقامه صوت "صول" ومما يستعمل فيه إنشادا ( الطويل
2 طبع الذيل :
هو من الأمهات الأربع استنبطه رجل من اليمن يدعى زيد بن المنتقد ومقامه هو صوت "دو" ومما يستعمل فيه إنشادا ( الطويل
3 طبع رمل الذيل :
وهو فرع من الذيل استخرجه عبد الرزاق الفيلسوف من أهل قرطبة بالأندلس وهذه النغمة شائعة بالمغرب ولا وجود لها بالمشرق ومقام هذا الطبع هو صوت "صول" ومما يستعمل فيه إنشادا/ بحر الطويل.  

ـــــــــــــ
الهوامش:
*1- ديوان ابن الصباغ الجذامي، مخ. خ. ع.
*2 التعريف بابن خلدون، تصح. محمد بن تاويت الطنجي، ص: 8.
*3 فتح الله البناني: كتاب فتح الله في مولد خير خلق الله، ص: 161.
*4 ابن الأحمر: نثير الجمان، ص: 324 ـ 326.
*5 كتاب الإمتاع والإنتفاع، تحق ـ د. محمد بنشقرون. بتصرف.
*6 محمد المنوني. مجلة دعوة الحق، ع 8 ص: 11
*7 مناهل الصفا، تحقيق كريم. ص: 236 ـ 238.

* كتاب وصف افريقيا لحسن الوزان
* الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس لعلي بن ابي زرع الفاسي.

 

 

 

 

شارك مع :

Deli.cio.us  - * -  Digg  - * -  reddit  - * -  Facebook  - * -  StumbleUpon  - * -  Newsvine